التدخل الدولي المرتقب في النزاع السوري خارج المظلة الأممية: قراءة في الأسس قانونية

الكاتب: يونس الغايسي[1]

إضغط هنا لقراءة التقرير

يحاول هذا التقرير انطلافا من التطورات الأخيرة التي شهدها الملف السوري، تقديم قراءة في سعي المجتمع الدولي إلى توجيه ضربات بحق نظام “الأسد” الذي اتهم باستخدام أسلحة محظورة في مجهوده العسكري ضد معارضيه. محاولا تفكيك خطاب المشروعية المتحدث عنه في أي تدخل مرتقب في سوريا،  والذي لم تتوانى أطراف سياسية مسؤولة عن التعبير عن إطاره الموضوعي والمتمثل في “مقتضيات القانون الدولي”، وذلك في سعي منه (التقرير) لوضع تصور تقديري لبعض أهم الحجج القانونية المناسبة الممكن أن تستند إليها وتدفع بها الأطراف الإقليمية-الدولية، استدلالا بمجريات الأحداث الجارية على الأراضي السورية، لتبرير سلوكها “التدخلي” خارج الولاية الشرعية للأمم المتحدة.

 

بات خطاب التصعيد العسكري في الآونة الأخيرة يجد معقوليته في المشهد السوري أكثر من أي وقت مضى، مبشرا بتصعيد دولي غير مسبوق في نزاع دام لأزيد من عامين ونصف العام قدمت فيه مبادرات وفشلت معه كل الجهود والمحاولات السلمية منها والتصعيدية للحد من موجته الصراعية الدائمية وانعكاساتها على الأمن الإقليمي لدول المنطقة.

 ويأتي الخطاب في سياق حصيلة دموية ثقيلة وممارسات انتهاكية فادحة لقواعد القانون الدولي للنزاعات المسلحة، اتهمت أجهزة النظام بالاضطلاع بها منذ بداية النزاع السوري ، ذهب من جراء فداحتها أزيد من مئة ألف قتيل، مع تخليف عدد لا يقدر من الجرحى إضافة إلى معدل ضخم من اللاجئين السوريين قارب المليوني لاجئ، الشيء الذي يجعل من استمراره كنزاع، بكل المقاييس النقدية التي خبِرها المجتمع الدولي، تهديدا خطيرا للسلم والأمن الدوليين.

واقعة/مجزرة الغوطة… منتظر المجتمع الدولي للتدخل.

  لكن ما جرى في مطلع هذا العام من أحداث  وبناءا على تقديرات[2] ومعلومات كما تقارير واسعة[3] رجحت في مجموعها أن يكون النظام السوري قد استخدم أسلحة كيميائية/غير تقليدية في مجهوده العسكري ضد معارضيه في نقاط إشتباك بمدن كإدلب وحمص وحلب،[4] وفي ظل تقديرات تتخوف من استمرار تآكل قدرة النظام السوري على إطباق سيطرة معقولة على مقدراته العسكرية، خصوصا تلك الغير تقليدية منها، ما يجعل من إحتمالية سقوطها في أيد من درج على وصفهم “بالأيادي غير الآمنة” وارد التحقق. كلها تقديرات وافتراضات دفعت بالأطراف الدولية للتعبير مبكرا عن توجهات صريحة تجاه كل هذه الإحتمالات، دون أن تخفي موقفا عبرت فيه أن من شأن تحقق أحد سيناريوهاتها أن يقلب وجه التعاطي الأممي مع الأزمة السورية ويجعل من خيار المواجهة “بكل الوسائل المتاحة” وارد الحدوث.  [5]

لتأتي عقب ذلك “واقعة/مجزرة الغوطة” لتشكل نقطة فارقة في الأزمة، وكذا تَحققا واقعيا لتك السيناريوهات المتخوف منها، والتي اتهم فيها –على نحو أولي- النظام السوري باستخدام “غاز السارين” ضد معارضيه وباهدار روح ما يناهز 1000 شخص في أيام معدودات[6]، وهو الحادث الذي بدا المجتمع الدولي على وقعه يصعّد موقفا أكثر جدية ويرتب تحركا دوليا لايزال طي التقدير والتداول.[7]

وتبدو الظروف السياسية المشهودة إقليميا وعلى المستوى الدولي، في ظل اختناق المعالجة الأممية بأروقة مجلس الأمن، مرشحة لإحتمالية أن تُوجه قوى إقليمية/دولية ضربة محدودة للبنية التحتية/العسكرية السورية خارج ولاية الأمم المتحدة، وهو ماتمظهر على المستوى الخطابي حين لم تخفي حكومات دولية إمكانية توجيه الضربة إلى النظام السوري  في الأيام القليلة القادمة، فيما بدا مجاليا التطبيق العملي للغة الخطاب بعد أن رُصد تحرك مجموع من الآليات العسكرية الدولية صوب الحدود الجيوسياسية لسوريا، في خطوة غير مسبوقة منذ اندلاع النزاع بهذا البلد.

تدخل من جانب واحد وعلى جانب القانون الدولي

بعد أن فشل مجلس الأمن الدولي في اضطلاعه “بتبعاته الرئيسة في حفظ السلم والأمن الدوليين”(م24 الميثاق الأممي) اتساقا والنزاع الدموي الدائر في سوريا، بدت خيارات الأطراف الداعمة لحراك المعارضة السورية تنظر إلى إطار آخر للمعالجة خارج ولاية الأمم المتحدة. إن خيار توجيه أي عمل زجري ضد الأراضي السورية فيه تحد للشرعية الدولية ، لكن وكما جاء على لسان مسؤولي التحالف الدولي لدعم المعارضة، فلأجل تحقيق مشروعية بدت بعض العقبات الإجرائية (الفيتو الروسي-الصيني) تعيق إلحاحيتها الجوهرية.

فمجلس الأمن الدولي أضحى في الأزمة السورية أفقا سياسيا مسدودا لا يمكن المراهنة عليه لحلحلة الأزمة[8] خصوصا مع التطورات الإستراتيجية الجديدة، أو هو كذلك على الأقل بالنسبة للأطراف التي تطلب تدخلا دوليا ملحا لحسم النزاع في سوريا، وبالتالي من اللازم تجاوز موانعه السياسية بغض النظر عن القيود المفروضة من جانبه. وكما عُبر عن ذلك،  فالأطراف الدولية الداعمة للحراك السوري لن تمضي في أي تدخل عسكري محدود، رغم احتمالية أن يتم دون إطار “الشرعية” الدولية، خارج ما يمكن أن يسمى ب”مشروعية” مبادئ القانون الدولي كإطار معقول تعتزم الولاليات المتحدة وحلفاؤها التقليديين والإقليميين على السواء لتتحرك وفقه، كما وستعمل من خلال أخلاقية وقانونية حُججه على تعزيز خطاباتها التصعيدية دبلوماسيا تمهيدا لتحركها العسكري.

هذه المشروعية التي يمثل القانون الدولي عنوانها، هي ما تحدث عنها الرئيس الأمريكي باراك أوباما صراحة في سؤال عن مبررات أي تصعيد دولي مرتقب تجاه سوريا، حين صرح لقناة CNN:”  إذا ما دخلت الولايات المتحدة وهاجمت بلدا آخر دون تفويض من الأمم المتحدة ودون أدلة واضحة يمكن تقديمها، إذن يبقى السؤال إن كان القانون الدولي يدعم ذلك، هل لدينا تحالف لجعله يعمل؟[9]، ذات الموقف عبر عنه ضمنيا، نائب رئيس الوزراء البريطاني “نيكولاس كيلغ”، متحدثا عن ضربة مرتقبة في “إطار مشروع”  حتى مع الفيتو الروسي-الصيني،[10] فيما عارض بالمقابل هذا المنطق الأحادي الجانب ، وزير الخارجية الروسي “سيرغي لافروف” حين عبر عن موقف الطرف الآخر،  الذي يعتبر أي “”استخدام للقوة دون موافقة مجلس الأمن الدولي بمثابة انتهاك جسيم للقانون الدولي”.[11]

الأوجه القانونية لأي تدخل من جانب واحد في سوريا:

تريد الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميون  من وراء التمسك بمشروعية القانون الدولي أن تحدث فجا عميقا في جدار الصد الأممي الذي تقف من وراءه كل من روسيا والصين، وقد ينجح مسعها في تبرير أي حملة عسكرية محدودة على الأراض السورية إن عرفت كيف ترتب ملفا قانونيا تحاجج به في المحافل الدولية. يتعلق الأمر في القانون الدولي، وبناءا على طبيعة منظومته التكوينية التقريرية منها والممارساتية، بمجموع من المبررات في شكل حجج يمكن تقديم أربع منها على سبيل المثال:

  1. 1.                    أي تدخل سيغيب عنه الطابع التعسفي في ظل تآكل المقومات السيادية للدولة السورية.

يتعلق الأمر هنا بمفهوم السيادة الذي يشكل غاية مركزية في الميثاق الأممي(م.2/1 الميثاق الأممي). إن كانت الأطراف الدولية الناقدة لأي “تدخل” في الشان السوري وعلى رأسها روسيا والصين تدفع بمبادئ الأمم المتحدة ك”عدم التدخل في الشأن الداخلي للدول (م.2/7 الميثاق الأممي)”، أو عدم استخدام القوة ضد سلامة الأراضي والإستقلال السياسي للدول (م.2/4 الميثاق الأممي)” فمشكلة هذا الدفع ستكون جوهرية حين يطرح السؤال: عن أي سيادة للنظام السوري يمكن التحدث عنها في ظل تفكك عناصل الدولة المحورية، من سكان وإقليم وتمثيلية سياسية مركزية؟ فمبادئ الميثاق الأممي التي يمكن معها إصباغ التعسف واللامشروعية عن أي تدخل تتحدث صراحة عن دول/نظم ذات سيادة لها سيطرة فعلية على مجالها الترابي وتمثيلية سياسية مقبولة من قبل الغالبية من عنصرها السكاني، كما ويؤهلها وضعها السياسي لتضطلع بمسؤولياتها داخليا وعلى النحو الخارجي(م4/1 الميثاق الأممي).

 ومع المشهد السوري، وما دام الحديث منسحبا هنا على مفهوم السياسي للدولة (النظم المجتمعية) الذي نعني به شيئا مختلفا عن المفهوم القانوني للدولة-الوطن، فيصعب فعليا الحديث عن أي ملامح لوجود دولة/نظام ذات سيادة على تراب هذا الوطن، وبالتالي من الصعب الحديث، من جهة داعمي فكرة التدخل العسكري، عن تدخل تعسفي كاسر لقاعدة (السيادة) غير متوفرة أساسا على أرض الواقع أو تآكل على نحو جوهري معظم عناصرها الوجودية.

ستستغل الدول المعادية للنظام السوري هذه الفجوة السياسية، لتبرر أي تدخل عسكري محدود على الأراضي السورية، وقد تذهب أبعد من ذلك لتجادل في الوضعية الحالية للدولة في سوريا مستخدمة أدوات نقد وضعيتها المؤسساتها والقانونية، لتتحدث عن تدخل تام في دولة “ضعيفة” أفشل واقع استمرار النزاع قدرتها على احتواء مشاكلها الداخلية كما والتحكم في تداعيها الأمني خارج حدودها. [12]

وعند هذا الحد، وخصوصا مع دخول أسلحة الدمار الشامل إطار الاستخدام على نحو منهجي في النزاع السوري، فلن يكون أي تدخل في الأزمة حسب هذه الأطراف ، إلا واجبا تفرضه مسؤولية حماية الأمنين الإقليمي والدولي، باعتباره أهم المقاصد الأممية، في ظل مجالية دولة سورية رخوة، التي وإن كانت ستكون أي شيء في بعدها السيادي، فغير المتحدث عنه في الميثاق الأممي، ولا حتى من صنف تلك الدول التي عنى بها “طوماس الهوبس” وهو يشرع قدسية سلطانها.[13]

  1. 2.                    أي استخدام للقوة لن يخرق مبادئ “شن الحرب Jus ad Bellum

المسألة ليست بذاك التعقيد حتى تتجنب الدول الداعمة للمعارضة السورية مبدأ حظر استخدام القوة (م.2/4 الميثاق الأممي) أو عدم التدخل (2/7 الميثاق الأممي) في أي حملة عسكرية وشيكة وذلك على غير الوجه الذي يتفق والميثاق الأممي. إنها تحتاج فقط إلى شجاعة وإلتزام دولي لإقرار ما يمكن أن يشكل إستثناءا في قاعدة دولية بدت تفقد قوتها القانونية مع تغير قيم المجتمع الدولي، حين بدت الممارسة الدولية تنتخب الإعتبارات الإنسانية وواجب التدخل لحمايتها كاستثناء من كل ذلك. وهذه الإرادة هي التي أفصح عنها الرئيس الأمريكي باراك أوباما حين تسائل، في تبريره خيار المضي مع القانون بعيدا عن إذن مجلس الأمن في سوريا: ” هل لدينا تحالف لجعله يعمل؟

إن الممارسة الدولية، باعتبارها مقوما في عملية تشريع القواعد الدولية العرفية،  قد تكون الحجة التي ستقدمها الدول للإلتفاف على إطلاقية مبدأ حظر استخدام القوة، يتعلق الأمر لتمهيد ذلك بحشد الحجج التالية:

  • مبدأ حظر استخدام القوة (م2/4 الميقاق الأممي) وحظر التدخل(م2/7 الميثاق الأممي) بدآ يفقدان قوتهما المعيارية مع ممارسة الدول، سواء تحت غطاء الأمم المتحدة أو خارجها، لأجل حماية شعوب واقعة في خطر الإضطهاد. ومادامت ممارسة الدول أحد أهم مقومات تشكل القواعد الدولية العرفية، فمن شأن توحد غاليبة شعوب العالم على إقرار التدخل من جانب واحد لأجل حماية الإنسانية كاستثناء جديد من مبادئ الحظر، كما توحدت على إدانة ما سمته في برلمانها العالمي (الجمعية العامة للأمم المتحدة) ب”الجرائم المرتبكة بحق الشعب السوري داعية مجلس الامن الدولي إلى تحمل مسؤولياته(راجع القرار رقم A/67/L 63الجدول المرفق-)، فمن شأن ذلك أن يجعل من التدخل الدولي، حتى إن تم من خارج مجلس الأمن، تاما ومشروعا وفق إطار قاعدة دولية عرفية متشكلة (قد تكون آمرة حتى[14]) تضفي مشروعية على حق القوى الداعمة للمعارضة بالتدخل في سوريا، وكل ذلك بالنظر إلى طبيعة قواعد القانون الدولي التي تعتبر في تاريخ إرهاصها الطويل، سيرورة ممارساتيا قبل أي شيء آخر.[15]
  • يدعم الإعتقاد أعلاه، موقف صريح صادر عن محكمة العدل الدولية في قضية نيكاراغوا، فيما يتعلق بإمكانية ظهور قاعدة عرفية قد تمثل استثناءا في قاعدة الحظر (م2/4 الميثاق الأممي) و(م.2/7 الميثاق الأممي)، جاء في نص المحكمة” القانون الدولي لا يتسم بالجمود بل هو ممارسة دولية، واحتجاج دولة بحق جديد أو أي استثناء في قاعدة عدم التدخل أو استخدام القوة، من شأنه أن يعدل، إن كان الموقف مشتركا بين غالبية الدول الأخرى، من المنظور للقواعد الدولية.[16] وهنا يمكن أن تلجأ الدول المتدخل إلى نص الحكم القضائي لتحتج به في طروحها القانونية حول مشروعية قرار تدخلها.
  • أن التدخل تام استنادا إلى معايير إنسانية لا يمكن أن تعتبر خارج القانون الدولي أو ميثاق الأمم المتحدة، بل ضمنهما وفق ما أضحى معروفا بمبدأ مسؤولية الحماية RtoP. وبالتالي استنادا إلى الاستثناء الوارد في ذات نص المادة 2/4 م.الأممي، فالعمل تام على النحو “المتفق ومقاصد الأمم المتحدة”، وأن التدخل لأجل “حماية الإنسانية” في ظروف إهانتها، كما أقرت حدوث ذلك الجمعية العامة في قرارها الأخير (ماي 2013) على الأراضي السورية، مع تبدل قيم المجتمع الدولي منذ انهاء الحرب الباردة، لم يعد من الممكن أن تحول دون تحقيقه أي حدود سياسية أو إجرائية، وهي ذات الرؤية التي عبر عنها كوفي عنان الأمين عام السابق للأمم المتحدة (1998) في معرض حديثه عن القيمة التي بدت تحتلها مسؤولية الحماية الإنسانية، حين قال:”حدود الدولة.. ينبغي ألا ينظر إليها (بعد الآن) على أنها حماية لمجرمي الحرب ومرتكبي الفضائع الإنسانية”.[17]
  1. 3.                    الإستناد إلى قرارات أممية (مجلس الأمن) ذات صلة

بنفس الكيفية التي لجأت إليها الولايات المتحدة في إعمالها للحظر الجوي المضروب على شمال العراق في تسعينيات القرن الماضي والذي تم دون إذن أممي،  من شأن الدول الداعمة للتدخل في سوريا أن تلجأ إلى قرارات مجلس الأمن الدولي السابقة في صدد ملابسات الأزمة (وإن لم يكن في الأزمة ذاتها)، لتشرعن فعلها العسكري بالأراضي السورية على أنه تام وفق مشروعية القانون الدولي كما شرعية القرارات الأممية، خاصة وأن لا شيء في القانون الدولي كما الميثاق الأممي على سواء يحول دول الإستناد أو التذرع بحجية القرارات السابقة.

يتعلق الأمر بمجموع من القرارات الدولية الملزمة التي اتخذها مجلس الأمن الدولي تحت إطار البند السابع من الميثاق، والتي كان موضوعها، الإضطلاع “بكل الوسائل الدولية المتاحة” لحماية المدنيين، منها القرار 1674 (2006) القرار 1706 (دارفور) القرار 1814 (الصومال)، القرار 1973 ليبيا 2011، القرار 1975 بساحل العاج 2011، و القرار 1996 بجنوب السودان 2011، واستنادا إلى نصوص هذه القرارات(الحديثة) وأخرى عديدة، فإن المجتمع الدولي يجد نفسه أمام تواتر تشريعي أممي، إلى الجانب التواتر العرفي، بالتدخل واستخدام القوة في الحالات التي يستوجب فيها تقديم مساعدات لشعوب واقعة في خطر، وهي الحالات التي يتطابق معها المشهد السوري كما وصف تفاصيله قرار الجمعية العامة السابق الذكر، لكن هذه المرة مع وجود حائل سياسي “غير موضوعي” يحول دون تحقيق ذلك.

كما يمكن لهذه الدول أن تتذرع بالقرار الأممي 1540 الصادر سنة 2004 الذي يحظر تنظيم وتوزيع كما نقل واستخدام أسلحة الدمار الشامل (الكيماوية منها) على غير النحو الذي تشير إليه المعاهدات الشارعة في صددها، ويكفي التأكد من خلال نتائج لجنة التحقيق الأممية من استخدام النظام السوري أو أي جهة أخرى هذا السلاح على نحو منهجي في النزاع الدائر، لتتدخل في الأراضي السورية لتحييد هذا السلاح وتجفيف منابعه. فالأمر يتعلق بقرار صادر تحت الفصل السابع من الميثاق، وهو بمثابة قانون شارع لدور المجلس المستقبلي، ينص صراحة في أحد بنوده، على واجب أن “يتخذ مجلس الأمن الدولي الإجراءات الملائمة والفعالة ضد أي تهديد يتعرض له السلم والأمن الدولي بسبب انتشار أسلحة الدمار الشامل”. وبالتالي إيقاع مجلس الأمن في تناقضات قراراته قد تكون من أهم الوسائل التي ستحاجج بها الدول المتدخلة، والتي بالتمسك بها قد تضفي على سلوكها شرعية، وإن لم تكن متينة، فلها فاعليتها.

  1. 4.     الإستناد إلى “التمثيلة الشرعية” للشعب للسوري لنزع صبغة العدوان عن الفعل التدخلي

أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها السالف الذكر، باعتبار المجلس الوطني لإئتلاف الثورة والمعارضة السوري ممثلا شرعيا للشعب السوري، يعتبر الأمر اعترافا من قبل غالبية غير بسيطة من المجتمع الدولي (107 مقابل اعتراض 12 دولة) بكون هذه الهيئة المعبر الحقيقي عن إرادة الشعب السوري وحقه في تقرير المصير.

لا جدال في أن المجلس الوطني المعارض قد طالب أكثر من مرة، بضرورة اضطلاع المجتمع الدولي بدوره المنوط به، دعما لحق الشعب السوري في تقرير مصيره كخيار غي متجادل في قيمته المعيارية. وهو في أزمة استخدام السلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية، الذي اتهم فيها النظام السوري باستخدامه السلاح في قصف البلدة ومحيطها، لن يتردد في شرعنة التدخل الدولي لو طلب من المجلس إعداد صيغة تسويغية لذلك باسم الشعب السوري. صحيح أن نظام الأسد لا يزال ممثل الدولة السورية في الأمم المتحدة، لكنها تمثيلية إجرائية وحسب لا شرعية على النحو الفعلي، ولا يمكن أن يحتج بها كحجة قانونية في أي مساع دولية لتحميل المتدخلين مسؤولية قانونية أو للإدعاء بتمثيلية الشعب السوري.

وكما هو معروف في المجتمع الدولي في جانب شرعيته أو مشروعيته، فلا يتحدث عن مبادئ الحظر الأممية سواء باستخدام القوة أو التدخل في شأن الدول إلا باعتبار ذلك تام على نحو تعسفي دون رضى الدولة وحكومتها الشرعية موضوع الحظر. وما دام الأمر كذلك، فلن يعتبر المشهد التدخلي المقبل،حتى ولو تم خارج إذن ولاية مجلس الامن، انتهاكا لأي من مبادئ القانون الدولي،[18] ولن يعتبر بالتالي عمل القوى المتدخلة وعلى رأسها الولايات المتحدة، عملا عدوانيا، لأن السلطة الشرعية الممثلة للشعب، هي من طلبت إذن التدخل لمساعدتها.[19] وقد كرست الممارسة الدولية أعمالا كهذه أتت بها دول[20] دون أن يُحرك أي نوع من أنواع المسؤولية الدولية عن فعلها الذي اعتبر ضمنيا غير مثير لجدل الشرعية.[21]

ورغم ان هذه الحجج المقدمة، في النهاية، قد تبدوا للبعض غير متينة ومفتقرة إلى العناصر التاريخية الممارساتية والقانونية التي تكرس عليها مبدأ كعدم التدخل في شأن الدول على غير الوجه الذي يتفق ومقاصد الأمم المتحدة، إلا أنه لا يمكن التشكيك في نجاعتها سواء في نقاطها القوية أو الضعيفة التي تبقى، في موقع الدول الساعية للتدخل، أفضل من الإتيان بأي عمل منزوع المبررات. وتبقى هذه من أهم الحجج القانونية التي ستدفع بها الدول الداعمة للتدخل للتأكيد على مشروعية فعلها العسكري، خاصة وأن المواقف الدولية تحدثت عن مراهنتها على قواعد القانون الدولي لتبرير عملياتها. وعليه فالمعركة القادمة لن تكون، حسب تقدير هذا التحليل،  معركة عسكرية بأهداف إستراتيبجية تكثر حولها التقديرات وحسب ، بل سترافقها كذلك معركة دبلوماسية سيراهن فيها الأطراف على الحجج والحجج قانونية المضادة والتي سيتعاظم حولها، بدل التقديرات، تأويلات كثيرة.

ملحق: جدول رقم (01)

موقف المجتمع الدولي من النزاع السوري كما يعكسه قرار الجمعية العامة رقم A/67/L 63  ماي 2013

أهم المواقف التي اتخذتها القرار

مؤيدون القرار: 107 صوتا (الدول المشاركة)

معارضون القرار: 12 صوتا (الدول المشاركة)

1) دعوة جميع الأطراف إلى إنهاء العنف. 2) تحميل السلطات السورية مسؤولة تدهور الحالة الإنسانية 3) التماس السبل والوسائل الكفيلة بتوفير الحماية للمدنيين السوريين. 4) التزامها بمبادئ القانون الدولي./اعتبار تداعيات الأزمة في الجمهورية السورية تهديدا للسلم والأمن الدوليين. 5) السماح بلجان التحقيق المختلفة بالإضطلاع بأدوارها. 6) /دعوة مجلس الأمن إلى اتخاذ التدابير المناسبة في صدد الأزمة. 7) مطالبة الأجهزة السورية باحترام المواثيق الدولية المعنية باستخدام وتخزين ونقل أسلحة الدمار الشامل. 8) الإعتراف بالمجلس الوطني المعارض كممثل فعليشرعي للشعب السوري والكفيل بقيادة مرحلة الإنتقال السياسي.

أفغانستان، ألبانيا، أندورا، أستراليا، جزر البهاما، البحرين، بلجيكا،بروني دار السلام، كندا، كولومبيا، كرواتيا، الدنمارك، مصر، استونيا، فنلندا، فرنسا، جورجيا، ألمانيا، هنغاريا، أيسلندا، أيرلندا، اليابان، الأردن، موريشيوس،نيوزيلندا، النرويج، عمان، باكستان، بولندا، البرتغال، قطر، جمهورية كوريا،المملكة العربية السعودية، السنغال، صربيا،اسبانيا، السويد، سويسرا، المغرب، جمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة، تونغا، تونس، تركيا، الإمارات العربية المتحدة، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة، اليمن…الخ

روسيا البيضاء، بوليفيا، الصين، كوبا، جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية ،إكوادور، إيران ونيكاراغوا والاتحاد الروسي، سوريا ، فنزويلا، زيمبابوي.


[1] – باحث في القانون الدولي والسياسات الدولية، المغرب.

[2] – Suspicion grows over Syria chemical weapons, Aljazeera English, 26 Apr 2013 16:52, last visit 30/08/2013:

http://www.aljazeera.com/news/middleeast/2013/04/20134251651595335.html

[3] – انظر تقرير جريدة لوموند الفرنسية تحت عنوان “الحرب الكيميائية في سوريا“:

http://www.lemonde.fr/proche-orient/article/2013/05/27/chemical-war-in-syria_3417708_3218.html

[4]Syria has used chemical weapons, Israeli military says, BBC News, 23 April 2013 ,16:19 GMT, last visit, 30/08/2013: http://www.bbc.co.uk/news/world-middle-east-22266212

 

[5]– انظر تصريح البيت الأبيض الذي اعتبر فيه استخدام النظام للسلاح الكيميائي ضد الشعب السوري تجاوزا “للخطوط الحمر” :

Barbara Starr and others, White House: Syria crosses ‘red line’ with use of chemical weapons on its people, June 14, 2013, 12:42 GMT, last visit: 31/08/2013:

http://edition.cnn.com/2013/06/13/politics/syria-us-chemical-weapons

[6] – تقول الرواية الأمريكية الأخيرة، التي نشرت صحيفة الواشنطن بوست تقريرا إعلاميا عنها، أن عدد الضحايا تجاوز 1400 قتيل تشير دلائل يعتزم تقديمها أنها ذهبت ضحية استخدام النظام السوري لغاز السارين محمولة على قذائف مدفعية، استطاعت أجهزت  الرصد الأمريكية توثيقها. فيما يعارض النظام السوري ومن ورائه حلفاؤه هذه الإتهامات، داعين الو م أ لتقديم أدلتها للمجتمع الدولي. انظر:

More than 1,400 killed in Syrian chemical weapons attack, U.S. says: http://www.washingtonpost.com/world/national-security/nearly-1500-killed-in-syrian-chemical-weapons-attack-us-says/2013/08/30/b2864662-1196-11e3-85b6-d27422650fd5_story_1.html

[7]– خرج الرئيس باراك أوباما، أثناء إعداد هذا التقرير، بموقف نهائي للإدارة الامريكية الذي استقر على شن ضربة عسكرية محدودة للنظام السوري، معتزما التوجه إلى الشعب الأمريكي من خلال الكونغرس لطلب تفويض لذلك. وإن كان المثير في خطاب الرئيس الأمريكي، أنه تحدث ضمنيا عن “حرب” قد يطول مداها، خصوصا في معرض تحجيمه للخطوة الأمريكية في إطار مقارن بما جرى في العراق وأفغانستان. انظر بعض تفاصيل الخطاب:

أوباما: سأطلب من الكونغرس تفويضي استخدام القوة في سورية ، روسيا اليوم نت، 31.08.2013 | 21:57:

http://arabic.rt.com/news/625945

[8] – انظر: يونس الغايسي، معضلة الحراك السوري واختناق المعالجة الأممية، جريدة القدس العربي، عدد 7357، شباط فبراير 2013، ص: 18

[9]– Julian Borger, West reviews legal options for possible Syria intervention without UN mandate, The Guardian, Monday 26 August 2013 18.21 BST, : http://www.theguardian.com/world/2013/aug/26/united-nations-mandate-airstrikes-syria

[10] – انظر: نائب رئيس الوزراء البريطاني: التدخل في سورية شرعي حتى مع الفيتو الروسي الصيني، روسيا اليوم، 29.08.2013 | 13:07، http://arabic.rt.com/news/625671

[11]–  See: Syria intervention without UN violates law, Russia says, France 24,26/08/2013: http://www.france24.com/en/20130826-military-intervention-action-syria-without-un-violates-law-russia-lavrov

[12] – انظر تقريري “صندوق السلام” ومجلة “فورين بوليسي” لسنة 2013 على التوالي فيما يتعلق بتصنيف سوريا على مؤشر “فشل” الدول:

http://ffp.statesindex.org/syria /

http://www.foreignpolicy.com/articles/2013/06/24/2013_failed_states_interactive_map

[13] – حسب رأي عالم السياسة الأمريكي روبرت جاكسون، فلم يكن هوبس، لو وجد في عصرنا” مستعدا للقبول بفكرة أن الدولة المنهارة “الفاشلة” هي دولة على الإطلاق”، وهذه الظاهرة في تمثلها السياسية تشكل قلبا كليا لنظرية هوبس حول السيادة التي بني عليها نظام القانون الدولي منذ معاهدة وستفاليا سنة 1648. انظر: روبرت جاكسون، ميثاق العولمة، تعريب فاضل جنكر، مكتبة العبيكان، الطبعة الأولى 2003، ص: 536

[14]– يذكر أنه في التشريع الدولي، نُظر إلى القواعد التي تحمي الحقوق الإنسانية من الممارسات الإضطهادية الممنهجة على أنها قواعد آمرة، على شاكلة قواعد حظر الإبادة الجماعية، وحظر الجرائم ضد الإنسانية والتعذيب،  وهي قواعد كما نص عليها في اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات في المواد 53 -64، قواعد مقبولة ومعترف بها من قبل المجتمع الدولي ككل لا يجوز الإخلال بها تحت أي ظرف أو بموجب أي إلتزام، حتى لو تعلق الأمر بإلتزامات الناجمة الميثاق الأممي (بما فيها قرارات مجلس اللأمن الدولي).

[15] – Anthony Catty, Theory of /or Theory instead of/ International Law, Review Essay “Problems and Process: International Law and How We Use It (Rosalyn Higgins )european journal of international law, Vol.8 N1 1997, p:181

[16] – Christian Henderson, The Persistent Advocate and the Use of Force,Ashgate Publishing Limited, England 2010   p:120

[17]– انظر رؤية الامانة العامة للأمم المتحدة لقضية “التدخل”، كوفي عنان ، البيان الصحفي رقم SG/SM/6613 ، الأمم المتحدة 1998:

SECRETARY-GENERAL REFLECTS ON ‘INTERVENTION’ IN THIRTY-FIFTH ANNUAL DITCHLEY FOUNDATION LECTURE, 26/06/1998, last visit- 30/08/2013: http://www.un.org/News/Press/docs/1998/19980626.sgsm6613.html

[18] راجع، روبرت جاكسون، ميثاق العولمة، مرجع سابق، ص: 460.

[19]– تحظر هنا قضية التدخل حلف الشمال الأطلسي في البوسنة، فقد كانت كعملية عسكرية حاصلة بإذن وموافقة الحكومة البوسنية (الدولة المستقلة لاحقا) التي كانت سيادتها عرضة لتحدي أمراء الحرب الصرب والكروات الذين كانت تدعمهم جمهوريةيوغسلافيا سابقا. ولم يذكر ان اعتبر هذا التدخل، الذي جاء لفرض سلام فشلت الأمم المتحدة في حفظه، من أي طرف من الأطراف الدولية ، تدخلا تاما على نحو غير شرعي.

[20]– يذكر هنا تدخل الإتحاد السوفييني في هنغاريا سنة 1956 وأفغانستان 1979 بدعوى طلب حكوماتها، كذلك الولايات المتحدة في الدومينيكو1965 و غرينادا 1983.

[21] – حول شرعية التدخلات العسكرية بموجب إذن الحكومات وإشكالاتها القانونية، انظر:

Louise Doswald-Beck, The Legal Validity of Military Intervention by Invitation of the Government, British Yearbook of International Law,Volume 56, Issue 1 – 1985. p:213.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Syrian Center for Political & Strategic Studies
Address: 1718 M Street NW, Suite 116, Washington DC, 20036-4504, USA
Tel: 1-202-738-1202      E-mail: info@scpss.org