سوريا الأسد وأوكرانيا وبينهما روسيا

د.رضوان زيادة المدير التنيفذي للمركز السوري للدرسات السياسية والاستراتيجية

لا يختلف النظام الروسي الحالي عن النظام السوري تحت حكم الأسد بشيء ، فهما يقومان على دعامتين رئيسيتين استخدام مبدأ القوة والقهر في الحكم مهما علت ألأثمان البشرية أو القانونية أو الأخلاقية.

بالتأكيد روسيا لديها حماية كاملة في مجلس الأمن تمنعها من المساءلة عن جرائمها في الشيشان وغيرها، وقد مدت هذه الحماية إلى نظام ألأسد كي تحميه من العقاب والمساءلة.

ولم تتردد موسكو للحظة في التدخل العسكري في روسيا رغم أنها صدّعت رؤوس العالم أنها ضد التدخل العسكري في سوريا لأسباب تتعلق بالقانون الدولي وما إلى ذلك، استخفاف الروس بفكرة القانون يعود إلى عقود مضت وهو الأمر ذاته يكاد ينطبق على نظام الأسد منذ حكمه سوريا.

عندما حصلت سوريا على استقلالها عام 1947 كان طموح آبائها المؤسسين إقامة دولة قائمة على العدل والإنصاف وقد تجلى ذلك في ديباجة دستور عام 1950 التي هي جزء لا يتجزأ من الدستور، فقد نصت على أن “نحن ممثلي الشعب السوري العربي، المجتمعين في في جمعية تأسيسية بإرادة الله ورغبة الشعب الحرة، نعلن أننا وضعنا هذا الدستور لتحقيق الأهداف المقدسة التالية: إقامة العدل على أسس متينة، حتى يضمن لكل إنسان حقه، دون رهبة أو تحيز وذلك بدعم القضاء وتوطيد استقلاله في ظل حكم جمهوري ديمقراطي حر”.

إن دستور عام 1950 كان الوحيد في التاريخ السوري الذي كتب من خلال جمعية تأسيسية دستورية منتخبة، ولذلك هو يعكس بحق اهتمامات الطبقة السياسية التي دافعت من أجل كتابته والأهم يعكس الاهتمام الشعبي التي انتخبت أعضاء الجمعية الدستورية، ولم يعش هذا الدستور طويلا للأسف بسبب الانقلابات العسكرية التي تعاقبت والتي حملت معها إلى الحكم موجة متتالية من العسكريين الذين يجدون في القانون والقضاء حدا من صلاحياتهم المطلقة ولذلك كان وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963 تتويجا لانهيار فكرة المؤسسات والقانون أمام سلطة العسكر، ولذلك ليس خافيا أن يبقي حزب البعث الحاكم الإعلان عن حالة الطوارئ طوال فترة بقائه في الحكم أي منذ عام 1962 وحتى عام 2011 عندما رفعت تحت الضغوط الشعبية والمظاهرات السلمية في الثورة السورية، وهكذا بقيت سوريا تحكم تحت حالة الطوارئ لمدة تفوق عن 49 عاما أي ما يقارب النصف قرن، وهي أطول فترة تعلن فيها حالة الطوارئ في بلد ما في التاريخ، إن ذلك يكشف مسلّمة حقيقة وهي استخفاف حزب البعث ومن ثم عائلة الأسد الحاكمة بعدها بفكرة القانون كفكرة مؤسسة لكيان الدولة السورية كما تجلت في دستور عام 1950 وهي بالأساس مسلّمة قامت عليها الحضارة الإسلامية “فالعدل أساس الحكم” كما في قوله تعالى “ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى” فالعدل يجب أن يتحقق في كل الظروف وفي كل الحالات حتى ولو كانت حالة حرب أو نزاع.

مع وصول عائلة الأسد إلى الحكم انعكست الكراهية لفكرة القانون في كل المجالات السياسية والقانونية من خلال الإبقاء على العمل بحالة الطوارئ دون فتح نقاش حول جدوى ذلك حتى ودون الحاجة إلى العودة الى البرلمان (مجلس الشعب) لتجديدها كما الحال لي كل بلدان العالم، وتجلى ذلك أيضاً في كتابة الدستور عبر لجنة “بعثية” طلب منها أن تفصل دستورا (دستور عام 1973) على مقاس الأسد كي يكون الحاكم المطلق بصلاحيات تنفيذية مطلقة وتشريعية، وليتم تدمير استقلالية السلطة القضائية بشكل دائم فتخضع للسلطة التنفيذية في كل شؤونها وأجهزتها، وبلغ الاستخفاف مداه الأقصى في المحكمة الدستورية التي غالبا ما تكون أعلى سلطة قضائية في البلاد وتكون رمزا لسيادة العدل وقضاتها رمزا للنزاهة والإنصاف، بقيت هذه المحكمة عشرات السنين دون تعيين أعضائها أو حتى إعطائها مقرا يليق بها وبصلاحياتها، فعلى مدى سنوات حكم عائلة الأسد لسوريا على مدى أكثر من أربعين عاما لم تصدر أي قرار أو حكم يعزز صورتها أو هيبتها بوصفها بيت القانون كما يطلق عليها معظم بلدان العالم.

تلك هي صورة مصغرة فقط من انهيار فكرة القانون خلال فترة حكم الأسد والتي تجد شرحا واضحا لها في ممارسات هذا الحكم مع بداية اندلاع الثورة السورية وانطلاق المظاهرات السلمية المطالبة بتأسيس دولة تقوم على إحقاق العدل والقانون، فالممارسات التي قادت إلى هذا الحجم الكبير من الدمار والضحايا تعكس بكل تأكيد أن عائلة الأسد لا تفهم من الحكم إلا أنها أداة للسيطرة والتحكم بالرغم من رغبات الشعب أو مصالحه، فأطلقت هذه الممارسات آلة قتل يومية لم تتوقف يوما واحدا، ونحن نتكلم هنا تصب آلة القتل الأسد براميل حقدها على حلب وداريا ودوما وغيرها لتحصد أرواح المئات من المدنيين من النساء والأطفال دون ان تكترث ولو للحظة واحدة حول شرعية هذا الاستخدام وأهدافه، وفتحت عائلة الأسد سجونها ومقرات أجهزتها الأمنية كي تتحول إلى مقرات تعذيب جماعية يموت داخلها المئات تحت التعذيب يوميا وقد أظهرت الصور المسربة توثيق مقتل 11 ألف ضحية تحت التعذيب في سجون الأسد في رقم لا يشكل صدمة لكل سوري بل ولكل إنسان أصبح يعتبر أن الحضارة البشرية قد تطورت لتمنع وتحرم التعذيب لأنها أشد الممارسات حطا بالكرامة الإنسانية وامتهانا لها، فكم حجم الألم الذي تحملته هذه النفوس البشرية على يد جلادها قبل أن تذهب إلى بارئها، وكم حجم الألم الذي تعيشه الأسرة وهي تتلقف خبر اعتقال ابنها وتسمع قصص الرعب والتعذيب في سجون الأسد ثم في النهاية يأتيها الخبر بوفاته تحت التعذيب، ومنذ يومين فقط كانت قصة الشاب وسام فايز سارة ذي الـ 27 ربيعا الذي أعرفه حق المعرفة قضى تحت التعذيب في فرع الأمن العسكري.

لذلك ليس غريبا اليوم استخفاف روسيا بفكرة القانون الدولي كما هي عادتها، لكن الغريب فعلا أن هناك من يصدق أن روسيا يمكن لها أن ترعى أو تحمي فكرة القانون!

تم نشر هذا المقال في جريدة زمان الوصل

https://www.zamanalwsl.net/news/47184.html

Syrian Center for Political & Strategic Studies
Address: 1718 M Street NW, Suite 116, Washington DC, 20036-4504, USA
Tel: 1-202-738-1202      E-mail: info@scpss.org