الصعود الهش للحزب الديمقراطي الكردي

تقرير الشرق الأوسط رقم 151

8 مايو 2014

الملخص التنفيذي

مع انخراط النظام السوري والمعارضة السورية في معركة كرّ وفرّ، أحكمت القوات الكردية سيطرتها على أجزاء كبيرة من شمال البلاد. ويسيطر اللاعبون الرئيسيون في هذه القوات، أي حزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه المسلّح، قوات الحماية الشعبية، الآن على ثلاثة جيوب غير متصلة في المناطق ذات الأغلبية الكردية على الحدود التركية، والتي أعلن حزب الاتحاد الديمقراطي في تشرين الثاني/نوفمبر 2012 إقامة إدارة مؤقتة فيها لكردستان الغربية. إن قيام إدارة كردية أمر غير مسبوق بالنسبة لسورية وكذلك بالنسبة لحزب الاتحاد الديمقراطي، الذي يتفرّع عن حركة التمرد الكردية في تركيا المعروفة بحزب العمال الكردستاني، والذي يستمد منها الدعم الأيديولوجي، والتنظيمي والعسكري. لكن من غير الواضح ما إذا كانت هذه خطوة أولى نحو تحقيق الاستقرار والتطلّعات الكردية بالحصول على الاعتراف، أو مجرّد هدنة في حين تستعر الحرب الأهلية في أماكن أخرى من البلاد. لن يقرر حزب الاتحاد الديمقراطي وحده مصير شمال سورية، لكنه يمكن أن يحسّن فرصه بتوسيع القبول الشعبي به والتعاون مع القوى المحلية الأخرى.

رغم جميع النجاحات التي حققها حزب الاتحاد الديمقراطي، فإن صعود نجمه متوهَّم في جزء كبير منه، ويمكن أن يعزى ليس إلى قوّته هو بل إلى صلاته بالقوى الإقليمية الأخرى. وقد تتمثل أهم هذه الصلات في تحالفه بحكم الأمر الواقع مع النظام، الذي سلّمه المناطق واستمر بتقديم الدعم المادي لهذه المناطق. كما تعود مكاسب الحزب إلى الدعم الذي يتلقاه من حزب العمال الكردستاني. حزب الاتحاد الديمقراطي هو عملياً جزء أيديولوجي، وتنظيمي وعسكري من هذا التنظيم اليساري الذي ينضوي نظرياً تحت مظلة اتحاد الجاليات الكردية. وهو يستفيد أيديولوجياً من سمعة عبد الله أوجلان، الزعيم المخضرم للحزب. وبدعم من حزب العمال الكردستاني، أصبحت قوات الحماية الشعبية أقوى قوة عسكرية في المناطق التي يسكنها الأكراد، وتمثَّل أحد نجاحاتها في منع المقاتلين الجهاديين من دخول هذه المناطق؛ وقد يكون وجود هؤلاء المقاتلين الجهاديين هو السبب الأكثر أهمية في المحافظة على توحّد الأكراد في هذه المناطق.

لكن المفارقة هي أن هذه العوامل نفسها، والتي تعتبر حاسمة لنجاح حزب الاتحاد الديمقراطي، تشكّل هي نفسها نقطة ضعفه. أولاً، فقد قيّد إرث حزب العمال الكردستاني حزب الاتحاد الديمقراطي بثقافة سلطوية متصلّبة وبرنامج غامض لا يتوافق مع التطلعات الشعبية. إن أسلوب الإدارة ثقيل الوطأة يؤدي في أحسن الأحوال إلى قبوله على مضض في أوساط جمهور يبدو جيله الشاب، على وجه الخصوص، متطلعاً إلى شيء مختلف.

ثانياً، لقد كان للشكوك التي تدور حول تعاونه مع النظام أثراً سلبياً على شعبيته؛ حيث احتفظت سلطات دمشق بوجود خفيف لكن حازم في المناطق التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي يذكر أنه يعمل في أغلب الحالات تحت السطح. حتى مع تخلّي هذه السلطات عن السيطرة على بعض أصول الدولة (خصوصاً المباني الإدارية والأمنية) لحزب الاتحاد الديمقراطي، فإنها احتفظت بسيطرتها على موارد الدولة، وتستمر في توزيعها، والتي من دونها سيتلاشى مشروع كردستان الغربية.

ثالثاً، لقد أدى تنافس حزب الاتحاد الديمقراطي على الهيمنة مع قوى كان يمكن أن تكون حليفة له، وأهمها الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود برزاني، رئيس حكومة إقليم كردستان العراق، إلى عدم ارتياح شعبي وإلى إنهاك الحزب، ما سمح لقوى الإقليمية ـ خصوصاً تركيا وإيران ـ باستغلال الأطراف المختلفة لتحقيق مصالحها الخاصة. يحتفظ برزاني بعلاقات جيدة مع أنقرة وواشنطن، وبالتالي لم يُترك لحزب الاتحاد الديمقراطي من حلفاء سوى دمشق، وإيران، وإلى حد ما، الحكومة التي يقودها نوري المالكي في بغداد.

هذه التحديات تطرح أسئلة حول عمق واستمرارية مشروع كردستان الغربية. بالنسبة لأنصار حزب الاتحاد الديمقراطي، فإنها نواة الحكم الذاتي الكردي في المستقبل. أما بالنسبة لمنتقديه، فإنها لا تعدو كونها قشرة جوفاء، وأداة في يد النظام. من الصعب تحديد الطريق إلى المستقبل بالنسبة لكردستان الغربية. إن اعتمادها على النظام ينفّر أطرافاً كثيرة، إلاّ أن أي خطوة للتقارب مع شركاء أكراد ولاعبين آخرين يخاطر بزعزعة سيطرته على الأرض من خلال تقويض علاقاته مع دمشق.

من غير المرجّح الحصول على الحقوق الكردية ـ ناهيك عن تحقيق الاستقرار المحلي بعيد المدى ـ من خلال تخلي حزب الاتحاد الديمقراطي عن حلفائه الطبيعيين مقابل شراكة مصلحية مع نفس النظام الذي حرم الأكراد من هذه الحقوق لفترة طويلة. ما يحتاجه جميع سكان شمال سورية، الأكراد وغير الأكراد، هو استراتيجية مشتركة للتعامل مع دمشق ومع الأقليات الأخرى في المنطقة. وهذا يتطلب أن يقوم حزب الاتحاد الديمقراطي بما يلي:

  • تقليص اعتماده الكبير على قوّته العسكرية وعلى النظام وبدلاً من ذلك توسيع قاعدة أنصاره بين السكان الأكراد وغير الأكراد، إضافة إلى الشرائح الأكثر براغماتية داخل المعارضة السورية؛
  • إعداد استراتيجية، بالمشاركة مع القواعد المؤيدة له، لإيجاد بديل للنظام كمقدّم للخدمات، وضمان وصول المنطقة إلى الموارد؛
  • تنويع العلاقات مع القوى الأجنبية لتقليص قدرتها على استغلال التوترات بين المجموعات المختلفة لمصلحتها.

بالنسبة للشركاء المحتملين، وللحزب الديمقراطي الكردستاني على وجه الخصوص، فإن ذلك سيعني التخلي عن سياسة عدم الانخراط مع حزب بات يعتبره كثيرون متواطئاً مع النظام. لن يكون توحيد شمال سورية مهمة سهلة، إلاّ أن المزايا التي يمكن أن يحققها ذلك تفوق صعوبة المهمة، والتي تتمثل في التحرّر من نظام من المرجح أن يعود إلى توجيه اهتمامه الوحشي ضد شمال البلاد.

أربيل/بروكسل، 8 أيار/مايو 2014

رابط المصدر: http://www.crisisgroup.org/ar/Regions%20Countries/Middle%20East%20-%20North%20Africa/Egypt%20Syria%20Lebanon/Syria/151-flight-of-icarus-the-pyd-s-precarious-rise-in-syria.aspx?utm_source=syria-iraq-report&utm_medium=1&utm_campaign=mremail

Syrian Center for Political & Strategic Studies
Address: 1718 M Street NW, Suite 116, Washington DC, 20036-4504, USA
Tel: 1-202-738-1202      E-mail: info@scpss.org